إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
303
زهر الآداب وثمر الألباب
وأما شيبة فصفحت عنها لتشهد بالبراءة من خضابى فأعجب بالدّليل على مشيبى أقمت به الدّليل على شبابي وهو القائل في صفة رجل أصلع : يجذب من نقرته طرّة إلى مدى يقصر عن ميله فوجهه يأخذ من رأسه أخذ نهار الصّيف من ليله وقال أعرابي : قد ترك الدّهر صفاتى صفصفا فصار رأسي جبهة إلى القفا « 1 » كأنه قد كان ربعا فعفا [ من كلام الأعراب ] قال أعرابىّ لسليمان بن عبد الملك : إني أكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فاحتمله ، فإنّ وراءه إن قبلته ما تحبه ، قال : هاته يا أعرابي ؛ فنحن نجود بسعة الاحتمال على من لا نأمن غيبته ، ولا نرجو نصيحته ، وأنت المأمون غيبا ، الناصح جيبا « 2 » . قال : فإني سأطلق لساني بما خرست عنه الألسن ، تأدية لحق اللَّه تعالى ؛ إنه قد اكتنفك رجال أساؤا الاختيار لأنفسهم ، وابتاعوا دنياك بدينهم ، ورضاك بسخط ربهم ، وخافوك في اللَّه ولم يخافوا اللَّه فيك ، فهم حرب للآخرة ، وسلم للدنيا ، فلا تأمنهم على ما ائتمنك اللَّه عليه ؛ فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعا ، والأمة كسفا وخسفا ، وأنت مسؤول عما اجترموا ، وليسوا مسئولين عما اجترمت ؛ فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك ؛ فإن أعظم الناس عند اللَّه غبنا من باع آخرته بدنيا غيره . فقال سليمان : أما أنت يا أعرابي فقد سللت لسانك وهو سيفك ، قال : أجل يا أمير المؤمنين ، لك لا عليك .
--> « 1 » الصفاة : الصخرة ، والمراد بها حال المرء « 2 » نصح الجيب : كناية عن سلامة الطوية